قصة محمد الفاتح ودراكولا

في القرن الــخامس عشر وفي عهد السلطان مراد الثاني ، كانت مملكة “ولاشيا” (جزء من رومانيا الحالية) ويحكمها “فلاد الثاني” وفي ذلك الوقت بعد الصيت والسمعة المخيفة للجيش العثماني في أوروبا بأنه الجيش الذي لا يقهر ، تشكل تنظيم سري أطلق عليه تنظيم التنين وضم هذا التنين مجموعة من نبلاء أوروبا مثل المجر والنمسا وغيرها وكان على رأس هذا التنظيم “فلاد الثاني” والذي أصبح يلقب بـ” دراكول” كان الغرض الرئيسي من تنظيم التنين هو زرع الدسائس والفتن التي من شأنها إضعاف الترسانة العثمانية من غير مواجهة مباشرة .

ولكن الذي حدث كان خلاف ما هو مخطط له تماماً ، حيث قام مجموعة من معارضي “فلاد دراكول” في ولاشيا بالتعاون مع ملك المجر للإطاحة به . هرب “فلاد دراكول” بعد الإنقلاب إلى حلفائه من “البويار” الذين شرحوا له أنه لا سبيل للعودة لحكم ولاشيا إلا بمساعدة القوة العظمى الدولة العثمانية .

وبالفعل أخذ “فلاد دراكول” وقام يتوسل ويتودد من السلطان مراد الثاني  لكي يساعده في العودة والجلوس على عرش ولاشيا من جديد انتهز السلطان مراد الثاني هذه الفرصة لشق الصف الأوربي وتنظيم التنين وقام بإرسال الجيش العثماني الذي حاصر ولاشيا وأجلس “فلاد دراكول” على العرش ، أدرك “فلاد دراكول” أنه لا يوجد حليف حقيقي في أوربا ، وأنه لا سبيل للمحافظة على العرش إلا بالخضوع ودفع الجزية للقوة العظمى العثمانية وأرسل “فلاد دراكول” ولديه (فلاد)و(رادو) كـرهائن  إلى السلطان مراد الثاني ! ولكي يثبت ولائه للدولة العثمانية ودليل على خروجه من تنظيم التنين وفد حقق مراد الثاني نجاحاً سياسياً باهراً .. ومكاسب عديدة :

1ـ شق الصف الأوربي .

2ـ القضاء على تنظيم التنين .

3ـ كسب ملك مطيع .

نعود لأبناء “فلاد دراكول” الرهائن .. كانت سياسية مراد الثاني هي الاستفادة قدر المستطاع منهما وتربيتهما ليكونا حاكمين مطيعين مستقبلاً سرعان ما تشرب الابن الأصغر “رادو” التعليم والولاء للدولة العثمانية بسبب صغر سنه أما “فلاد” فكان شاباً يافعاً قضى 13 سنه من عمره في ولاشيا كان الابن “فلاد” يحمل كرهاً كبيراً للعثمانيين ولكن لا يظهر ذلك ، كما أن قيام والده بتسليمه بكل بساطه للسلطان كرهينة زاد من حدة طباعه لم يظهر الابن “فلاد” مظاهر العداء للعثمانيين .. بل على العكس كان مطيعاً وتلقى تعليماً عسكرياً جيداً خصوصاً وهو ينتظر الفرصة لتنصيبه ملكاً وفي عام 1448م حدث ما كان يتمناه هذا الفتى .. دبر نبلاء  ولاشيا عملية اغتيال لوالده “فلاد دراكول” وفي ذلك محاولة منهم للإنظمام للمملكة المجرية وبعد وصول أخبار اغتيال “فلاد دراكول” للبلاط العثماني .. تحركت الجيوش العثمانية لتنصيب “فلاد” الابن ملكا لـ ولاشيا خوفاً من ضمها للمجر ، ولم تمر الفترة الأولى لحكم “فلا” الذي أصبح “فلاد الثالث” بسهولة ، إذ تعرض لمضايقات كثيرة من النبلاء .. وفي هذه الأثناء تولى الحكم محمد الفاتح ولم يطلب “فلاد الثالث” المساعدة من الفاتح للقضاء على النبلاء للكره الشديد بينهما إذ تربيا سوياً في البلاط العثماني وهما بنفس السن  أما ملك المجر فكان يعلم جيداً أن محاولة للإستحواذ على ولاشيا ستفشل فقرر أن يكسب “فلاد الثالث” في صفه .. وهذا ما حدث بالفعل وبعد 3 سنوات من تنصيبه حاكماً على ولاشيا انقلب “فلاد الثالث” على الدولة العثمانية ، وقرر عدم دفع الجزية ,وأحكم قبضته الدموية على شعبه وقرر “فلاد الثالث” أنه سيحمل لقب والده (دراكول) ليصبح لقبه الذي اشتهر به “دراكولا” وإضافة الألف في النهاية تعني (بن دراكول) .. وليضمن “فلاد دراكولا” استقرار حكمه في ولاشيا ، قام بابتكار عقوبات جديدة لم يشهد التاريخ مثلها من قبل ، دل ذلك على النفس الدموية لديه ومن عقوبات “فلاد دراكولا” أن المرآة الكسولة أو الغير مطيعة تقطع يدها ، أما الرجل فيتم سلخ جلده وهو حي وسمل الأعين وغيرها .

ومن أشهر أساليب “فلاد دراكولا” في العقاب هو ابتكاره لأداة جديدة للقتل وهي إدخال الرمح المدبب في المؤخرة حتى يخرج من الفم (الخازوق) ومع مرور الوقت خرجت هذه الأساليب من كونها عقوبات على مخالفات وجرائم إلى أساليب لجلب المتعة لـ “فلاد دراكولا” الذي ازداد وحشية وسادية وبلغت دمويته حد أنه لا يتناول طعامه إلا أما مجموعة من الجثث المعلقة على (الخازوق) حتى أنه لا يستمتع بالطعام إلا مع رائحة دم الأطفال . وذات مرة  وهو يتناول الطعام مع أحد النبلاء ، كان النبيل يغلق أنفه من شدة رائحة الجثث الكريهة ، فأمر “فلاد دراكولا” على الفور بقطع أنفه .

في هذه الأثناء كان محمد الفاتح مشغولاً بحصار القسطنطينية ، مما حدى “فلاد دراكولا” للتمادي أكثر بدمويته .

كانت أفعال “فلاد دراكولا” الوحشية والسادية غير مقبولة ومحرمة ليس عند دين الإسلام وعند جميع الأديان السماوية ، ورغم انتشار أفعاله الدموية في العالم المسيحي ، كان هناك مقولة منتشرة في أوربا مدام عدواً للعثمانيين فلا بأس فهو بطل في العالم المسيحي!

وفي عام 1462 م.. وبعد أن فتحت القسطنطينية ، اتجه محمد الفاتح بجيشه لتأديب “فلاد دراكولا” على أفعاله الشنيعة ، وتواجه الجيشين عند الدانوب وأرسل الفاتح رسولين لـ “فلاد دراكولا” فلما دخلا عليه أمرهم بخلع عمائمهم احتراماً له فرفضا ، فأمر بدق رؤوسهم بالمسامير وقال : الآن لن تسقط عمائمكم ما أن سمع الفاتح بفعلته حتى أمر المدفعية بإطلاق القذائف ، وانطلق الجيش العثماني المتمرس ليُصعق ” دراكولا” بتشتت جيشه وفر هارباً لقلعته وكان “فلاد دراكولا” قد أسر 25 ألف مسلم تركي وبلغاري وهو في طريقه للمعركه في أحد القلاع بالطريق وعلقهم جميعاً على الخوازيق هال السلطان الفاتح منظر جثث المسلمين الـ 25 ألفا وهي معلقة بالخوازيق بمدينة “تروعفيشت” والذي أصبحت تعرف فيما بعد بغابة الخوازيق ، ولم يستطع الجيش العثماني مواصلة المطاردة  بسبب انتشار الأوبئة والأمراض نتيجة للجثث المتعفنة ، فأرسل مجموعة من خيرة جنود الإنكشارية والسباهية على رأسها الأمير “رادو” لملاحقة “فلاد دراكولا” .

حاصر “رادو” بجيش الإنكشارية المتمرس قلعة “دراكولا”.. فعلم “دراكولا” أنه لن ينتصر في المواجهة المباشرة لم ، ففر هارباً لوحده بمساعدة الغجر.

جلس “رادو” على عرش ولاشيا بعد هرب “دراكولا” ، وأرسل للفاتح يبشره بالنصر ، أما “دراكولا” فوقع في أسر المجر ، وفجأة توفى “رادو” عام 1475م فأطلق المجريون”فلاد دراكولا” من الأسر ودعموه بقوة من الجيش لاسترداد ولاشيا من العثمانيين وفوراً تحرك الجيش العثماني الرهيب وجرت المعركة بالقرب من بوخارست وأباد الجيش العثماني الجيش المجري عن بكرة أبيه ، وقتل “فلاد دراكولا” وأرسل رأسه إلى إسلامبول.

وأمر الفاتح بدفن جثته بغير جنازة وتعليق رأسه ليكون عبرة لغيرة . ولا زال بعض الرومانيين ينظرون لـ “فلاد دراكولا” أنه بطل قومي رغم كمية الخوازيق التي أهداهم إياها .

بعد ذلك انتشرت أداة الخازوق انتشاراً واسعاً ، فاستخدمها شواذ الصرب ضد البوسنيين ، وشواذ الجيش العثماني ضد أهل الشام والعراق .

وفي عام 1897 م ألف الإنجليزي ” برام ستوكر” روايته الشهيرة “دراكولا” مستوحاة من شخصية “فلاد الثالث” وساديته ووحشيته وحبه للدم إذ صور برام ستوكر “دراكولا” على أنه مصاص دماء سادي لا يقاوم شهوته عند رؤية الدم .