جحيم بيرل هاربر .. الغزو الياباني لأمريكا

أذاق الأمريكيون اليابانيين جحيم القنبلة الذرية في نهاية الحرب العالمية الثانية ، ولكن اليابانيون بدورهم كانوا قد أذاقوا الأمريكيين قبل ذلك جحيم كارثة “بيرل هاربر ” أفظع كارثة عسكرية مرت على الولايات المتحدة الأمريكية .

ففي تلك الحادثة سحق اليابانيون ميناء “بيرل هاربر” الميناء الحربي الرئيسي للولايات المتحدة في المحيط الهادئ بما فيه من أساطيل وقطع بحرية ومخازن استراتيجية ، وقتلوا وجرحوا وشردوا الآلاف من الخبراء والجنود الأمريكيون .

والعجب لا يتوقف على قوة تلك الضربة ونجاحها ، وسرعة إنجازها ، التي لم تتجاوز ساعتين  !!

بل يتعداها إلى دقة الخطة التكتيكية التي تمت بها العملية الجهنمية . إذ كيف يتحرك أحد أضخم أساطيل العالم ويقطع آلاف الكيلومترات في زمن الحرب دون أن تشعر به استخبارات جميع دول الحلفاء بما في ذلك أمريكا .بل إن الأمريكيون لم يكتشفوا وجوده إلا بعد أن هوت القنابل على رؤوسهم  ، حتى أنه لما أُرسلت التقارير إلي القيادة الأمريكية بما حصل ، استقبلوها بعدم الثقة ، إلا أنه سرعان ما تأكد لهم صحة الخبر .

وقصة التخطيط والتحرك لغزو بيرل هاربر من القصص العجيبة والممتعة.

لذلك سنتناول هذه القصة بشيء من التفصيل بدايةً من الأسباب المسببة لها إلى أن انتهت المهمة .سنعود بالتاريخ إلى ما قبل العملية بوقت طويل حتى تتضح لنا صورة العالم آنذاك ، وكيف اضطرت اليابان لمغامرة كبرى خرجت منها بنجاح كامل .

في نهاية القرن التاسع عشر كانت تلك الحقبة حقبة استعار الاستعمار، وقد رصدت الإمبراطورية اليابانية في ذلك الوقت تعاظم حجم مستعمرات انجلترا وفرنسا في الهند الصينية وفي بلاد الصين نفسها ، وقررت أن تحصل على نصيبها من المغانم الصينية . ونشبت الحرب بين الصين واليابان  عام 1894م و1895م وألحقت اليابان هزيمة ساحقة بالصين وفرضت عليها القبول بشروط معاهدة “شيمنسكي” .وتخلت الصين بموجب هذه المعاهدة عن كوريا وجزيرة فورموزا وعن شبه الجزيرة ليسوتانج بما في ذلك ميناء بورت آرثر .

وكانت روسيا تتطلع إلى الاستيلاء على ميناء بورت آرثر بالذات ، لأنه يمتاز بالمياه الدافئة على طول السنة . وهي ميزة غير متاحة للموانئ الروسية في شمال المحيط الهادئ .

وإزاء اعتراض روسيا وفرنسا على احتلال اليابان لميناء بورت آرثر اضطرت اليابان إلى التخلي عن هذا الميناء على أساس أن تعود السيطرة عليه إلى الصين .

إلا أن روسيا هاجمت الصين واستولت على منشوريا وهددت باحتلال كوريا واستولت على ميناء بورت آرثر فثارت ثائرة اليابان وقامت الحرب بين البلدين اعتبار من شهر فبراير سنة 1904 م ، وألحقت الأساطيل اليابانية بالسفن الحربية الروسية في شمال غرب المحيط الهادئ هزيمة ساحة ، وبذلك  قضت اليابان على أي وجود بحري روسي في المحيط الهادئ وأعادت احتلال ميناء بورت آرثر .

حاولت روسيا بعد ذلك تأديب اليابان فعمدت إلى تحريك الأسطول الروسي في بحر البلطيق وبحر الشمال لمواجهة الأسطول الياباني والقضاء عليه . إلا أن الأسطول الياباني سحق الأساطيل الروسية في معركة ( تسوشيما) سنة 1905م .

واضطرت روسيا إلي التوقيع على معاهدة (بورتسوث) والتي بموجبها اعترفت روسيا بسيادة اليابان على ميناء بورت آرثر ونصف جزيرة سخالين وكوريا الجنوبية ، وجلاء الروس عن منشوريا .

منذ ذلك الحين أصبح للأسطول الياباني السيادة والسيطرة على شمال المحيط الهادئ ، وازدادت أطماع اليابانيين في بلاد الصين وكوريا والهند الصينية ، واندونيسيا والفلبين وماليزيا ، وتوغلت أساطيلها وقواتها البرية في هذه البلدان نظراً لانهيار فرنسا في مطلع الحرب العالمية الثانية ، وانشغال بريطانيا بالحرب في المحيط الأطلسي وأوروبا .

وكان من الطبيعي أن تشعر الولايات المتحدة وهي تطل أيضا على المحيط الهادئ بالقلق من التوسع الياباني ، لذلك قامت بفرض حصار اقتصادي على اليابان وأسهم في هذا الحصار كل من بريطانيا وفرنسا .

حاولت اليابان أن تتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية ، نظرا لإمكانات الولايات المتحدة الضخمة التي لم تكن اليابان ترغب في أن تتحداها ، وحاول الإمبراطور وولي العهد الأمير “كونوي” والسفير الياباني لدى أمريكا “تومورا”  التوصل إلى حل ، لكن أمريكا كانت تضع شرط انسحاب اليابان من جنوب شرق آسيا والهند الصينية واندونيسيا لرفع الحصار التجاري عن اليابان .

وأصبح السؤال لدى اليابانيين . هل نختنق ولا نحصل على ما يلزم من بترول ومواد ضرورية أم نتخلى عن مكاسبنا التي حصلنا عليها بالحرب المريرة والتضحية بالمال والأرواح والمعدات طوال سنوات في جنوب شرق آسيا والهند الصينية ؟

حددت اليابان شروطها أثناء المفاوضات مع الولايات المتحدة بحيث لا تتدخل أمـريكا ولا بريطانيا .

في النزاع الصيني الياباني ، وعدم تخلي اليابان عن مستعمراتها في جنوب شرق آسيا ، وعدم فرض حصار تجاري أمريكي بريطاني فرنسي على اليابان .

وحاول الإمبراطور تعزيز الجهود الدبلوماسية للوصول إلي هذه المطالب ، فعزز السفير الياباني ” تومورا ” بجهود دبلوماسي ياباني آخر معروف بميوله نحو صداقة أمريكا وهو الدبلوماسي الياباني ” سابورا كورسو ” الذي كان متزوجا من أمريكية وكان يحظى بثقة عند الأمريكيين .

ورفضت أمريكا المطالب اليابانية ، وانتصرت وجهة نظر القادة اليابانيين الذين كانوا يرون ضرورة الحرب ضد الولايات المتحدة .

وكان الأميرال ” إيسورو ياما موتو ”  ــ القائد الأعلى للقوات اليابانية وهو من أشهر قادة البحار في العالم في ذلك الوقت ــ يدرك أن مخزون البترول عند اليابان لا يكفي أكثر من عام واحد ، وكان يعتقد إزاء فشل المفاوضات السلمية مع أمريكا أن اليابان تستطيع أن تحصل بالقوة على كل أهدافها عندما تتمكن من الاستيلاء على هونغ كونغ وماليزيا وسنغافورة وبورنيو وجاوا .

وعندئذ تستطيع أن تحصل اليابان على كل مطالبها من المواد الخام كالبترول والمطاط والحديد والقصدير . وكانت وجهة نظر الاميرال يما موتو تتلخص في أن تدمير الأسطول الأمريكي في المحيط الهادئ ممكن لليابان كما استطاعت تدمير الأسطول الروسي في معركة تسوشيما ، ولو تمكن الأسطول وسلاح الجو الياباني من ذلك ستحتاج الولايات المتحدة مالا يقل عن ثلاث سنوات لبناء أسطول أمريكي جديد .

وكانت البحرية اليابانية في ذلك الوقت من أحدث وأقوى الأساطيل البحرية في العالم ، وكانت تضم عشر بوارج ضخمة وعشر حاملات طائرات عملاقة ، و35 طراد حربيا كبيراً ، و64 غواصة . وكان الأسطول الياباني يمتلك أقوى وأكبر سفينتين في العالم وهي السفينة “ياماتو”  والسفينة “موساشي” .

وبعد وضع الخطط وعمل التدريبات اللازمة لسحق الأسطول الأمريكي في بيرل هاربر بالمحيط الأطلسي .  تحدد يوم الأحد لبدء الهجوم على اعتبار أن الأمريكيين يعتبرون بعد ظهر يوم السبت والأحد عطلة نهاية الأسبوع وينصرفون في الغالب الأعم إلى الراحة .

وانطلق الأسطول الياباني ، واستمر اليابانيون في مواصلة المفاوضات مع الولايات المتحدة كجزء مهم من التمويه على الاستعدادات اليابانية لتدمير الأسطول الأمريكي .ومع ساعات الصباح الأولى ليوم الخامس من كانون أول ديسمبر لعام 1941م انطلقت الأساطيل اليابانية  تشق شمال مياه المحيط الهادئ متجهة إلي الشرق .

وكان داهية الحرب الياباني الأميرال “ناغومو” يحدد مسارها بإحكام بالغ الدقة والتعقيد ليقلل من خطورة اكتشافها من قبل سفن وطائرات العدو . وكان الهدف “بيرل هاربر” اقتربت مجموعة حاملات الطائرات من موقع الهجوم ، واعتمدت سفن ناغومو على غطاء من الغيوم الرمادية المتلبدة في السماء .

تحركت أمام السفن الحربية وتحتها مجموعة من الغواصات اليابانية . وكان قلق ياما موتو القائد الأعلى للقوات اليابانية من أن ألا تكون جميع سفن الأسطول الأمريكي في الميناء . علماً أن التقارير الإستخباراتية كانت تؤكد رسوها هناك .

وقبل الهجوم أرسل ياماموتو رسالة إلى الأسطول : ( آمال الإمبراطور بكاملها معلقة على هذه العملية ، وعلى كل رجل أن يكرس نفسه ويتفانى في سبيل المهمة التي أمامه ) .

كانت سفن الأسطول الياباني التي تحمل على 353 طائرة هجومية قد اقتربت جداً من بيرل هاربر . واقتربت ساعة الصفر ، وفي تمام الساعة السادسة اهتزت ظهور حاملات الطائرات وانطلقت الموجة الأولى من الطائرات المهاجمة نحو الهدف وقبل تمام الثامنة وصل المهاجمون إلى الهدف ، وكانت الرؤية والأحوال الجوية بأحسن حال .

ووجد اليابانيون عدوهم على غير استعداد فكان عنصر المفاجأة تاماً . وبسرعة البرق انهالت القذائف اليابانية بغزاره وكثافة وفي دقائق معدودة تم تدمير فصيلين من الطائرات الأمريكية وهي على الأرض ، وحولت الصواعق اليابانية مجموعات السفن الأمريكية تحتها إلى جحيم ، فدمرت البوارج وعشرات السفن وتحولت مساحات شاسعة من الميناء إلى دمار كامل .

بعد ذلك رجعت الموجة الأولى وانطلقت الموجة الثانية وقد مُهد الطريق أمامها ووجدت الأهداف سهلة فصبت قذائفها صبا فدمرت الآلات وحصدت الأرواح .

وكانت الخسائر الأمريكية مهولة فقد دُمرت 19 سفينة حربية ، وبارجة  و 188 طائرة ، وقتل 2403 جندي وجرح أكثر من 2000 جندي وقتل 68 مدني ، ودمرت خزانات الوقود الاستراتيجية للولايات المتحدة وكثير من المواقع الحيوية ، لدرجة أنه قيل أن بعض طائرات الموجة الثانية من الهجوم الياباني لم تجد شيء لتدميره ، كانت كل الأهداف مدمرة تماماً ، وكل ذلك تم في ساعتين .

 لم يتوقع القائد العام للقوات اليابانية الأميرال ياما موتو أن تتم العملية بهذه السهولة ، فبعد أن وصلته أنباء النصر أصدر أمرا عاجلا للأميرال ناغومو يدعوه فيه للبحث عن حاملات الطائرات التي خرجت من الميناء قبل الهجوم والعثور عليها وتدميرها .

رغم الأوامر العسكرية العليا الصادرة من القيادة للأميرال ناغومو ، إلا أن التقاليد العسكرية اليابانية تترك القرار الأخير لقائد الجبهة .ورغم التفوق البحري الهائل الذي منحته فرصة قد لا تكرر فيما بعد ، قـرر الأميرال ناغومو ألا يستمر بتعريض أسطوله لمزيد من الخطورة مكتفيا بما حققه من انتصارات كبيرة ، وأدار ناغومو وجهة سفنه عائداً إلي المياه الآمنة . مسجلاً في سجل الولايات المتحدة الأمريكية أنكى هزيمة منيت بها الولايات المتحدة في تاريخها  .