المدفع العملاق

إذا أطلقنا الطاقات البشرية بحدودها القصوى قطعاً أنا سنكسر حدود المعقول ونتجاوزها إلى اللامعقول في كثير من الأمور ، وهذا ما حصل إبان الحرب العالمية الثانية وبالتحديد عام 1941م .

ففي الفترة ما بين 1937م – 1945م  كانت الاضطرابات السياسية تعصف بالعالم ومع تسارع الأحداث اندلعت حرب عالمية طاحنة (الحرب العالمية الثانية ) ، وأطلقت الطاقات البشرية بحدودها القصوى ، ونتيجة لذلك قفزت البشرية درجات عديدة في سلم التطور والتقدم في كافة المجلات ولا زلنا نجني ثمارها حتى يومنا هذا.

وفيما يلي من سطور سنستعرض ابتكار رهيب ، قلب موازين الحرب في جبهات عديدة ، ابتكار يقع خلف حدود ألا معقول في ذلك الزمان بل و في زمانينا هذا . 

في بداية الحرب العالمية الثانية 1939م كان الشغل الشاغل للألمان اجتياح فرنسا وبالرغم من القوة الألمانية الضاربة ، كانت هناك عقبة أقضت مضاجع الألمان وهي خط ماجينو الفرنسي وهو عبارة عن تحصينات دفاعية ثابتة  تتكون من سلاسل من المدفعية الثابتة ، تحميها موانع مضادة للدبابات ، وفي أسفل منها شبكة من الأنفاق ترتبط بسكك حديدية ، كما يحتوي خط ماجينو على ملاجئ تحت الأرض ونظم اتصالات  وكثير من الأسلحة وغيرها من تجهيزات الحرب .

وفي  ذلك العام كلفت القيادة الألمانية مؤسسة كروب الصناعية بتصميم مدفع ضخم قادر على دك الحصون في خط ماجينو الفرنسي ، وطلبت القيادة الألمانية أن يكون المدفع قادر على اختراق جدار من الكونكريت المسلح بسمك 7 أمتار أو اختراق سبيكة من الفولاذ المدرع بسمك 1 متر وأن يكون مدى المدفع خارج مدى المدفعية المعروف .

 واستمر العمل والبحث وإجراء التجارب لمدة عامين ، وعرضت التصاميم النهائية على هتلر مدفع عملاق يزن 1350 طن وبطول يصل 47 متر وارتفاع 12 متر ، وكانت قذيفة المدفع تزن 7 طن ويصل مداها إلى 47 كيلومتر .

وفي عام 1942م كانت المشاركة الفعلية للمدفع العملاق القصيرة والحاسمة ، وكان المدفع لا ينقل إلا بالقطارات لضخامته فكان نقله يكون بواسطة قطار خاص يتكون من 25 عربة ويصل طوله لـ 1.5كم وقد صنع من هذا النوع مدفعين فقط وأرسلت للجبهات الفرنسية والروسية وأطلقت عشرات من القذائف العملاقة وقد أحدثت هذه القذائف دماراً هائلاً في الأهداف المحددة  ، فقد تم تدمير حصن ستالين بـ 6 قذائف وتم تدمير حصن مولوتوف بـ 7 قذائف وتم تدمير مخزن عتاد على عمق 30 متر تحت الماء تدمير كامل بـ 9 قذائف وأهداف أخرى ، الغريب أن خط ما جينو الذي كان السبب في صناعة المدفع ، تم تهميشه من قبل الألمان بحيلة أخرى حيث كان يتوقع الفرنسيين أن يحاول الألمان اجتياح فرنسا من جهة الشرق حيث كان خط ماجينو إلا أن الألمان التفوا بذكاء واجتاحت جحافلهم فرنسا من جهة الشمال عبر اخترق بلجيكا التي سقطت بسرعة خاطفة تبعها سقوط  باريس بسرعة منافسة ، وبذلك أبطل مفعول خط ما جينو  .

لم تطول فترة استخدام هذا المدفع العملاق حيث أن مدة استخدامه في الحربية العالمية الثانية التي استمرت 6 سنوات كانت 13 يوم فقط .  وكان السبب في ذلك كثرة الأعطال المرهقة التي تنشأ بعد كل استخدام وكلفت الصيانة والنقل حيث كانت هذه المدافع تحتاج إلى 250 شخصا لتجميعها في 3 أيام, بالإضافة إلى 2500 شخص ليقوموا بوضع المسار الحديدي الذي تسير عليه, بالإضافة إلى كتيبتين من الجنود لحمايتها. وكانت آخر مشاركة لها  على حدود مدينة لينينجراد الروسية وبعد انتهاء المعركة بقيت هذه الأسلحة الثقيلة هناك لسنتين, ثم أعيد تفكيكها وإرجاعها لقاعدتها إلى أن قام الجيش النازي بتدميرها عام 1945 كي لا يستولي عليها الأعداء عند إنتهاء الحرب.

نعود الآن للحدود الفاصلة بين المعقول واللامعقول فإنجاز شبه مستحيل كذلك المدفع الضخم  يحتاج إلى الكثير والكثير جداً من الدراسات والحسابات والقياسات الميكانيكية والكيميائية ، وكل ذلك قد تم عمله في عصر ما قبل الحاسب الآلي ، عصر الورقة والقلم وحساب المعادلات بالعقل البشري وليس العقل الإلكتروني كما هو الحال اليوم وهنا تتجلى الصورة الكاملة لحدود القدرة البشرية ، ومثل هذه الصور يجب أن تمرر وبكثرة على العقل فهي مغذية وملهمة له من جانب اتساع المدارك ، ومحفزة له لإطلاق طاقاته الكامنة   .