العجوز المستر جراهام

حدثني الدكتور بشير الرشيد ـ أستاذ علم النفس بجامعة الكويت ـ بقصة رجل إنجليزي اسمه جراهام ، وكان المستر جراهام مديراً لإحدى الجامعات البريطانية ، في عام 1978م كان المستر جراهام قد بلغ الستين من عمره ، ولذلك لابد أن يحال للتقاعد ويترك العمل في الجامعة ، وبهذه المناسبة فإن الجامعة نظمت لمديرها السابق المستر جراهام حفلاً وداعياً ، دعي له العمداء وأساتذة الجامعة الشخصيات التربوية ، وفي يوم الحفل الذي كان مكتظاً بالأساتذة الأكاديميين وبعض الشخصيات التربوية البارزة ، دعي مستر جراهام لإلقاء كلمة كالعادة في مثل هذه الاحتفالات ، صعد المستر جراهام خشبة المسرح الكبير ووقف أمام الميكروفون بكل ثقة الدنيا وقال: وضعت لنفسي 20 هدفاً لا بد أن أحققها خلال العشر سنوات القادمة ـ ما أن قال ذلك حتى كثر الهمس والابتسامات الساخرة من بعض الحضور ـ أكمل المستر جراهام حديثه بكل ثقة قال : الهدف الأول : أريد بيتاً مساحته 10 آلاف متر مربع ، والهدف الثاني : أريد تذاكر سفر لمدة عشر سنوات قادمة .. أريدها لبناتي الثلاث وأزواجهن وأطفالهن ، لكي تزورني كل بنت منهن مع زوجها وأطفالها 3 أشهر بالسنة ، الهدف الثالث … ثم عد المستر جراهام 18 هدفاً أخرى يسعى لتحقيقها .

وبعد عام واحد فقط ، عام 1979م تولت السيدة مارغريت تاتشر رئاسة الوزراء في بريطانيا ، فشكلت وزارة جديدة كعادة الساسة الذين يتولون هذا المنصب ، وذلك أملاً بتطوير البلاد وإصلاح الفساد وإرضاء العباد ، وكان من ضمن الذين استدعتهم تاتشر بعد توليها لمنصبها المستر جراهام ، وذلك لتعيينه مستشاراً لسياسة الجامعات البريطانية ، آملةً أن يصلح التعليم ويطوره .

رفض المستر جراهام هذا العرض المغري معتذراً بأهدافه العشرين التي لم يحققها .. هذا المنصب سيمنعه من تحقيق أهدافه ، هذا العمل سيأخذ الكثير من وقتي ، ولا بد لي أن أفكر بتحقيق أهدافي قبل أن أفكر بتحقيق أهداف الآخرين ، إنك يا سيدة تاتشر إن حققت لي هذه الأهداف ، فأنا لا أمانع من أن أتولى هذا المنصب ، قالت وما هي أهدافك ؟ هل أستطيع أن أسمعها منك ؟ فقال المستر جراهام : الهدف الأول : بيت مساحته 10 آلا متر مربع ، والهدف الثاني .. والهدف الثالث … وهكذا استعرض أهدافه العشرين كلها ، قالت تاتشر : لا مانع عندي أن أحقق جميع أهدافك العشرين كلها ، لكن على شرط واحد ، أن ترجع ملكية البيت بعد موتك للدولة البريطانية .

وافق المستر جراهام على هذا ، وتولى منصبه الجديد ، مستشاراً لسياسة الجامعات البريطانية ، حقق أهدافه العشرين ، وأصبح يمتلك بيتاً في قلاسكو في اسكتلندا مساحته 12 ألف متر ، لقد طلب بيتاً مساحته 10 آلاف ، ولكنه نال أكثر ، هذا هو شأن الحالمين أصحاب الرؤى الواضحة .

كان اختيار السيدة تاتشر موفقاً ، كانت وزارة التربية في بريطانيا تتحمل كل التكاليف الدراسية للطالب الجامعي ، وبعد تولي المستر جراهام لمنصبه ، أصبح الطالب يتحمل ثلاث أرباع التكلفة وتتحمل الدولة عنه الربع الباقي ، لقد وفر المستر جراهام مليارات الجنيهات للدولة .

ويأتي عام 1991م وتقال تاتشر ويقال مستشارها معها ، ليخلوا المكان لرئيس وزراء جديد بوزراء ومستشارين جدد ، لقد كان المستر جراهام أحد المقالين ، فقرر مدراء الجامعات البريطانية عمل احتفال لتوديع المستر جراهام الذي بلغ 72 من عمره ، كان هناك كلمة للمستر جراهام في هذه الحفلة الوداعية قال فيها : لقد وضعت لنفسي 20 هدفاً أسعى لتحقيقها في السنوات العشر القادمة ـ الناس في القاعة بين منبهر وساخر ومتبسم ـ أكمل المستر جراهام حديثه كالعادة بثقة ملحوظة ، الهدف الأول : أسعى إلى تأسيس مركز اتصالات سيكون الأول والأقوى في العالم ، الهدف الثاني .. والهدف الثالث ..

يقول المستر جراهام للدكتور بشير الرشيدي : في القرن التاسع عشر من سيطر على التوابل كان الأقوى في العالم ، وفي عام 1857م استعمرت بريطانيا الهند فامتلكت التوابل وصارت الدولة التي لا تغييب عنها الشمس ، وفي القرن العشرين من سيطر على النفط كان هو الأقوى في العالم ، فسيطرت أمريكا على منابع النفط في الخليج ، أما القرن الواحد والعشرين فإن من يسيطر على الاتصالات سيكون الأقوى يا دكتور ، لا بد أن نملك قوة الاتصالات حتى تعود لبريطانيا صدارتها للعالم .

لقد أعلن المستر جراهام مخططاته لهذا المركز عام 1991م ، ثم مضى زمن لم يلتفت أحد له ولا لمخططاته ، وبعد بضع سنوات من حفلته تلك ، خصصت بريطانيا للمستر جراهام جزيرة ينفذ فيها حلمه ويقيم بها مركزه ، لقد خرجت الأحلام من رأس حاملها إلى أرض واقعه ، لقد شيد المبنى وأصبح الحلم حقيقة لا مرآء فيها .

توقعك هو واقعك ، نطلب منك فقط أن تحلم وترى شيئاً لنفسك ، كن كعمر بن عبد العزيز الذي يقول : إن لي نفساً تواقة ، تاقت إلى فاطمة بن عبد الملك فتزوجتها ، تاقت إلى الإمارة فوليتها ، وتاقت نفسي للخلافة فأدركتها ، وتاقت إلى الجنة فأرجوا أن أدركها إنشاء الله .


متوفر الآن